أبي منصور الماتريدي

183

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

واحدا ومسلكا واحدا غير مختلف ؛ دلّ ذلك أنهما كانا بمدبر عليم حكيم . وفي قوله : فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً دلالة نقض قول المعتزلة ؛ لأن الإصباح هو فعل الخلق ؛ لأنه مصدر أصبح ، وكذلك السكن هو فعل الخلق ، ثم أضاف ذلك كله إلى نفسه ؛ دل أنه خالق أفعالهم . وقوله - عزّ وجل - : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً اختلف فيه ؛ قال أبو عبيد : هو من الحساب ، وهو جمع حساب ، [ يقال : حساب وحسبان ] « 1 » ؛ مثل : شهاب وشهبان ؛ وهو كقوله « 2 » : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ يونس : 5 ] . وقيل « 3 » : حسبانا ، أي : جريانا ، يجريان ويدوران أبدا لا يستريحان ؛ دل أنهما كانا بغير مسخرين للخلق ؛ لأنهما لو كانا بطباعهما لكانا يستريحان . وقيل « 4 » : حسبانا ، أي : ضياء ؛ كقوله : جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [ يونس : 5 ] ، والله أعلم بذلك . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . أي : ذلك الجريان الذي ذكر ، أو تلك المنافع التي جعلت فيها تقدير العزيز [ العليم ] « 5 » . قال الحسن : العزيز : هو الذي لا يعجزه شيء ، والعزيز : هو الذي [ به ] « 6 » يعز كل عزيز . وقال بعض أهل التأويل « 7 » : العزيز : المنيع في سلطانه ، المنتقم من أعدائه ، العليم بمصالح الخلق وبما كان ويكون وبحوائجهم ، وبالله التوفيق . وقوله - عزّ وجل - : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ . والمراد منه : الظلمات ، وذكر في قوله : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ

--> ( 1 ) في أ : وحساب . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 5 / 279 ) ( 13611 ) عن السدي بنحوه وذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 117 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 5 / 279 ) ( 13610 ) عن ابن عباس بنحوه و ( 13613 ) عن قتادة ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 62 ) وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 5 / 280 ) ( 13615 ) عن قتادة ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 62 ) وعزاه لعبد بن حميد وأبي الشيخ عن قتادة . ( 5 ) سقط في أ . ( 6 ) سقط في أ . ( 7 ) ينظر البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ( 4 / 191 ) .